اضطراب الاكتئاب المستمر: أعراض، وأسباب، وعلاج

2٬962

اضطراب الاكتئاب المستمر (بالإنجليزيَّة: Persistent Depressive Disorder، ويُختصَر: PDD)، يعرف أيضًا باسم اضطراب الاكتئاب الجزئي، أو الخفيف، وباضطراب عسر المزاج، أو سوء الحالة العقلية، أو خلل التُوتَة: هو اكتئاب أقلّ حدةً من الاكتئاب الرئيسيّ (أو الشديد) (بالإنجليزيَّة: Major Depression)، ولكنّه يستمر لفترات أطول. وغالبًا ما تكون نسبة الإصابة بهذا الاكتئاب للإناث هي الضعف، مقارنةً الذكور.

التعريف

اضطراب الاكتئاب المستمر هو اضطراب مُعيق، وخطير. تتشابه أعراضه مع أنواع أخرى للاكتئاب السريريّ. يحدث عمومًا بشكل أقل حدة وأكثر إزمانًا من الاكتئاب الرئيسيّ. ويُشار إلى اضطراب الاكتئاب المستمر في النسخ السابقة من الدليل التشخيصي والإحصائي باسم الاكتئاب الجزئي، أو الاكتئاب الخفيف، أو عسر المزاج (بالإنجليزيَّة: Dysthymia).

يميّز اضطراب الاكتئاب المستمر تسببه في المزاج الكئيب طوال الوقت لمدة لا تقل عن سنتين. وقد يُسبب مزاجًا عصبيًا في الأطفال والبالغين أكثر منه مزاجًا كئيبًا. ويجب أن يصاحب هذا الاكتئاب أو هذا المُزاج العصبيّ بشيء من الآتي: إمَّا أرق، أو نوم كثير، أو إرهاق، أو انخفاض في النشاط، أو تدنّي تقدير الذات، أو فقدان في الشهية، أو شره في الأكل، أو انخفاض مستوى التركيز، أو تردد، أو شعور باليأس.
أما أعراض الاكتئاب الرئيسيّ فهي تتضمَّن انعدام التلذذ (بالإنجليزيّة: Anhedonia). كما تتضمَّن أعراض نفسيّة حركية مثل:  الخمول والنعاس، أو الهياج الدائم، والتفكير في الموت أو في الانتحار، وهذه الأعراض غالبًا ما تكون أقل في حالة اضطراب الاكتئاب المستمر.

يمكن أن يحدث اضطراب الاكتئاب المستمر كذلك وحده أو مقترنًا بأحد اضطرابات المُزاج النفسيّة. فمثلًا، نصف الذين يعانون من اضطراب الاكتئاب المستمر: سيمرون بحالة من الاكتئاب الرئيسيّ على الأقل لمرة واحدة. وتُعرف هذه الحالة باسم «الاكتئاب المزدوج». وبمقارنة هؤلاء الذين يعانون من الاكتئاب الرئيسيّ، فهؤلاء الذين يعانون من اضطراب الاكتئاب المستمر معرّضون أكثر لاضطراب القلق، ولاضطراب تعاطي المواد (الإدمانيَّة).

وفي فترة عُمرها (12) شهرًا في الولايات المتحدة الأمريكية، قُدِّر تأثير اضطراب الاكتئاب المستمر على الناس بما يصل إلى (5%). ومثل الاكتئاب الرئيسيّ، فإن نسبة إصابة الإناث باضطراب الاكتئاب المستمر هي ضعف نسبة الذكور.

الأعراض

الأعراض الأساسيَّة لاضطراب الاكتئاب المستمر تتمثّل في وجود المزاج الكئيب، أو السوداوي، أو مُزاج حزين معظم اليوم، وتكون أيام ظهور هذا الشعور أكثر من الأيام التي لا يظهر فيها، لمدة لا تقل عن سنتين. ويصف الذين يعانون من هذا الشعور مزاجهم بأنَّه “حزين على نحوٍ مثابر”.

تتضمن أعراض اضطراب الاكتئاب المستمر الأخرى:

  • فقدان في الشهيّة أو نهم
  • اضطرابات في النوم
  • إرهاق وانخفاض في الطاقة
  • التحقير من الذات
  • انخفاض في مستوى التركيز
  • الشعور باليأس

في حالة اضطراب الاكتئاب المستمر، لا تكون هذه الأعراض نتيجة لأي مشكلة صحية أو نتيجة لتعاطي أي مواد. بالإضافة إلى تسببها في ضعف أداء المريض الوظيفيّ، وفي خللٍ بحياته الشخصيَّة، والاجتماعية.

الأسباب

وبالرغم من أن سبب اضطراب الاكتئاب المستمر غير معروف، إلَّا أنَّ هناك عوامل جينيّة، وبيئيّة، وكيمائية يمكنها التسبب بحدوثه. كما يحفّز الضغط النفسيّ المزمن، والصدمات الإصابة بهذا النوع من الاكتئاب.

يُعتقَد أن الضغط والإجهاد يحيل بين المرء وقدرته على ضبط مُزاجه، ومنع الحزن من النخر والتعمّق. كما تساعد الظروف الاجتماعية –وخاصة العزلة- وغياب الدعم الاجتماعيّ في تطوّر اضطراب الاكتئاب المستمر. ويمكن أن يؤدي هذا السبب إلى وهن وضعف في العزيمة؛ نظرًا لأنَّه يُبعِد هؤلاء الذين يقدّمون الدعم، مما يؤدي بدورة إلي زيادة العزلة وتفاقم في الأعراض، كما يمكن للصدمات، أو موت الأحباب، أو العلاقة العاطفيَّة الصعبة، أو المرور بالمواقف المُجهِدة نفسيًا تحفيز المرور بنوبة اكتئابيّة.
قد تحدث النوبات الاكتئابيَّة بسببٍ أو بدون سبب واضح. ومع تقدم العُمر، تزيد احتمالية الإصابة باضطراب الاكتئاب المستمر بسبب الأمراض، والحزن المرتبط بفقدان الأحباء، والخرف المرتبط بالسن، والإعاقة البدنية.

وتشير الأبحاث إلى أن الأمراض الاكتئابية هي اضطرابات دماغية. وقد أظهرت تقنيات التصوير الدماغيّ، مثل التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)، أن أدمغة الأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب تبدو مختلفة عن تلك الخاصة بالأشخاص الذين لا يعانون من الاكتئاب. وذلك لأنَّ أجزاء الدماغ المسؤولة عن تنظيم المُزاج والتفكير والنوم والشهية والسلوك تظهر وهي تعمل بشكلٍ غير طبيعيّ، وعلاوة على ذلك، الناقلات العصبية المهمة (المواد الكيميائية التي تستخدمها خلايا الدماغ للتواصل) تبدو غير متوازنة. ولكن لا تكشف هذه الصور عن سبب حدوث الاكتئاب.

العلاج

العلاج النفسيّ

معظم الذين يعانون من اضطراب الاكتئاب المستمر لا يتلقّون من العلاج ما يحتاجون، وفي معظم الحالات ينجم ذلك عن أنهم يزورون طبيب العائلة فقط، والذي لا يستطيع تشخيص هذا الاضطراب. وجزء من المشكلة هو أنَّ الذين يعانون من اضطراب الاكتئاب المستمر يعتقدون أن أعراضه ماهي إلا شيء عاديّ وحتميّ في حيواتهم. وفي حالات الكِبار، قد يموّه الخرف، أو اللامبالاة، أو التحسس الزائد وجود اضطراب الاكتئاب المستمر. وتساعد أسئلة الطبيب المفتوحة مثل: كيف كان مُزاجك مؤخرًا؟ في ملاحظة أعراض وعلامات اضطراب الاكتئاب المستمر.

تمامًا مثل الاكتئاب الرئيسيّ، يمكن أن يتعامل الطبيب مع اضطراب الاكتئاب المستمر بالعلاج الدعميّ، والذي يضمن للمريض الطمأنينة، والمواساة، والتعليم، وبناء المهارات. ويعمل العلاج النفسيّ على تغيير الطرق التي تعمل بها الدماغ، مثل عملية التعلّم والتي تتضمن تكوين اتصالات جديدة بين الخلايا العصبية في الدماغ.

تساعد أنواعًا معيّنة من العلاج النفسيّ على تخفيف اضطراب الاكتئاب المستمر مثل:

  • العلاج الدعميّ (بالإنجليزيّة: supportive therapy)
  • العلاج المعرفيّ-السلوكيّ (بالإنجليزيّة: cognitive-behavioral therapy، ويُختصر: CBT)
  • العلاج النفسيّ-الحركيّ (بالإنجليزيّة: psychodynamic therapy)
  • العلاج التفاعليّ (بالإنجليزيّة: interpersonal therapy، ويُختصر: IPT)

حيثُ يساعد العلاج السلوكيّ المعرفيّ على:

  • تحديد وتغيير نظام الحياة السلبي، الذي يُسبِب سلوكيَّات مُحبِطة للذات، ووجود الروح الانهزامية.
  • تعلُّم طرق تحسين المهارات الاجتماعيّة، وطرق مواجهة الضغط، والتخلّص من مشاعر العجز وقلة الحيلة.

بينما يساعد العلاج النفسيّ الحركيّ على:

  • فهم الصراعات العاطفية، خصوصا الصراعات الناجمة عن تجارب مؤلمة في الصغر.

ويُساعِد العلاج التفاعليّ المرضى على:

  • التصالح مع النزاعات.
  • التعامل مع الخسارة، والفراق.
  • التأقلم مع التنقّلات الحياتيّة.

تُشير الأدلّة الأوليّة من دراسة قائمة يدعمها ‎المَعْهَدُ الوَطَنِيُّ للصِّحَّةِ النَّفْسِيَّة (يختصر بالإنجليزيّة: NIMH) إلى أن العلاج التفاعليّ -خاصةً- يُبشّر بنتائج جيدة في علاج اضطراب الاكتئاب المستمر.

العلاج الدوائيّ

كما هو الحال مع أنواع الاكتئاب الأخرى، هناك عدد من خيارات الدواء للأشخاص الذين يعانون من اضطراب الاكتئاب المستمر. وتتضمن معظم الأدوية الشائعة مثل:

  • مثبطات امتصاص السيروتونين الانتقائية (بالإنجليزيّة: SSRIs) مثل فلوكسيتين، واسمه التجاري: بروزاك (بالإنجليزيّة: fluoxetine، والاسم التجاري Prozac)
  • سيرترالين، واسمه التجاري: زولوفت (بالإنجليزيّة: sertraline، والاسم التجاري: Zoloft)
  • أو أحد مضادات الاكتئاب الأحدث مزدوجة الفعل مثل: فينلافاكسين، واسمه التجاري: إيفكسور (بالإنجليزيّة: venlafaxine، والاسم التجاري: Effexor).
  • قد يستجيب بعض المرضى لمضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقات مثل إيميبرامين، واسمه التجاري: توفرانيل (بالإنجليزيّة: imipramine، والاسم التجاري: Tofranil)

والجدير بالذكر، أن للأدوية المضادة للاكتئاب عدد من الآثار الجانبيّة التي يمكن أن تُعقِّد العلاج. فمثلًا، قد تسبب مثبطات امتصاص السيروتونين الانتقائية: اضطراب في المعدة، وأرق خفيف، وخفض الشهوة الجنسيَّة.

بالنسبة للعديد من المرضى، فإن العلاج طويل المدى الذي يتضمَّن مزج بين العلاج النفسيّ والدوائي، وتتوطد خلاله العلاقة مع المُعالج لهي أكثر طرق العلاج فاعلية.
قد يستغرق التعافي من اضطراب الاكتئاب المستمر بعض الوقت، وعادة ما تعاود الأعراض الظهور؛ لذا، يتم تشجيع العديد من المرضى بعد العلاج على الاستمرار في فعل أي شيء ساهم في تحسنّهم، سواء كان ذلك دواءً أو علاجًا أو مزيجًا من الاثنين.

المصادر

  • American Psychiatric Association, Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders, Fifth Edition
  • National Library of Medicine
  • Uher, R., Payne, J. L., Pavlova, B., & Perlis, R. H. (2014). Major depressive disorder in DSM‐V: implications for clinical practice and research of changes from DSM‐IV. Depression and anxiety, 31(6), 459-471.
مصدر Psychology Today
اترك ردًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.