إدمان الإباحيّة: علامات، وأسباب، وحلول علميّة (بحث متجدّد)

يشير مصطلح إدمان الإباحيّة (بالإنجليزيّة: Porn Addiction) إلى أنّ الشخص أصبح معتمدًا بشكل عاطفيّ على مشاهدة الموادّ الإباحيّة إلى الحدّ الذي تتداخل فيه مع حياته الشخصيّة، وعلاقاته الاجتماعيّة، وقدرته على أداء وظائفه اليوميّة.

يعتبر بعضُ الأطبّاء إدمانَ الإباحيّة -وهو نوع شائع جدًّا من الإدمان- من سِمات اضطراب فرط النشاط الجنسيّ، أو ما يُسمّى فرط الشهوة الجنسيّة (بالإنجليزيّة: Hypersexual Disorder). ويضمّ اضطراب فرط النشاط الجنسيّ عدّة سلوكيّات إشكاليّة، كممارسة العادة السريّة بشكل مفرط. أشارت دراسة صدرت عام (2019) إلى أنّ اضطراب فرط النشاط الجنسيّ منتشر بنسبة تتراوح بين (3%) و(6%)؛ إلّا أنّه من الصعب تحديد نسبة هذا الانتشار لعدم توافر تعريف رسميّ للاضطراب.

في الواقع، لا يزال موضوع إدمان الإباحيّة قضيّة مثيرة للجدل؛ إذ لا يوجد إجماع علميّ على اعتبار إدمان الإباحيّة حالة حقيقيّة. نُشِر بحث عام (2014) يدحض الأسسَ التي تعتبر الإفراط في مشاهدة الموادّ الإباحيّة إدمانًا من الأساس. ينقد هذا البحث الأسسَ التجريبيّة والنمذجة التي بُنيَ عليها هذا الادعاء. كما يقترح الباحث أخذ عوامل أخرى بعين الاعتبار؛ معتبرًا أنّ مشاهدة الموادّ الإباحيّة بكثرة عرضٌ لمشكلة أخرى يجب حلّها.

ما هو الإدمان؟

يتخطّى مصطلح «الإدمان» كونَه اهتمامًا مبالغًا فيه بشيء ما. في الواقع، يُعتبَر الإدمان حالة طبّيّة تغيّر من طريقة عمل المخّ والجسم؛ فتُشعِر الشخص بأنّه مُجبَر على تعاطي المادّة الفلانيّة، أو القيام بالفعل الفلانيّ، وإن كانت تلك الموادّ أو الأفعال تضرّه.

تشير معظم الأبحاث المعنيّة بدراسة الإدمان إلى أنّ الإدمان يفعّل المناطق في الدماغ المسؤولة عن شعور التحفيز والمكافأة. على وجه التحديد، يغيّر الإدمان من نظام إطلاق الدوبامين في الجسم، وهو الهرمون والناقل العصبيّ الذي يسبّب الشعور بالسعادة. عندما يبدأ الشخص بتعاطي مادّة إدمانيّة أو القيام بفعل إدمانيّ، يفرز الجسم دفعة كبيرة من الدوبامين تُشعِر الشخص بفيض غامر من السعادة والمكافأة. بمرور الوقت، يقلّل الجسم إفراز الدوبامين بشكل طبيعيّ، ويعتمد على المحفّز الخارجيّ في إفرازه؛ بهدف الشعور بهذه المشاعر مجدّدًا. على غرار ممارسة الجنس، تحفّز مشاهدة الموادّ الإباحيّة إطلاق كمّيّات كبيرة من الدوبامين؛ ممّا قد يؤدّي إلى الإدمان.

يؤثّر الإدمان على جوانب أخرى من الدماغ، ويغيّرها تدريجيًّا. يزيد ذلك من صعوبة ترك الشخص لمسبّبات الإدمان سواء كانت مادّة يتعاطاها، أو فعل ينخرط فيه.

ما هي علامات إدمان مشاهدة الموادّ الإباحيّة؟

يُعَدّ تشخيص إدمان مشاهدة الموادّ الإباحيّة من المواضيع المثيرة للجدل في الوسط العلميّ؛ إذ لا يتّفق عليه كلّ المعالجين النفسيّين. يميل بعض اختصاصيّي الرعاية الصحّيّة والمرشدين الصحّيّين إلى اعتبار مشاهدة الموادّ الإباحيّة ليست مشكلة بحدّ ذاتها؛ ولكنّها قد تتحوّل إلى مشكلة تبعًا إلى وجهة نظر الشخص، أو وجهة نظر شريكه الجنسيّ.

لا يعني هذا الجدل أنّ الإفراط في مشاهدة الموادّ الإباحيّة ممارسة طبيعيّة. ننوّه إلى أنّ إطلاق لفظ «إدمان» على مشاهدة الموادّ الإباحيّة بكثرة -أو أيّ ممارسة إشكاليّة أخرى- مِن عدمه ليست سوى مجادلات داخل الوسط العلميّ؛ من أجل اختيار اللفظ الأدقّ. ينتج هذا الجدل عن وجوب توافُر معايير عديدة لإطلاق هذا اللفظ على فِعل ما. ومع ذلك، لا ينفي هذا الجدل الأثرَ الضارّ للإفراط في مشاهدة الموادّ الإباحيّة؛ والذي ثبت بالفعل على الجسد أو العلاقات. يجب إذًا أخذ الآثار السلبيّة بعين الاعتبار، وحلّ الأسباب الكامنة؛ وذلك بغضّ النظر عن اللفظ المستخدم.

يمكن لمشاهدة الموادّ الإباحيّة أن تتحوّل إلى مشكلة، ومن المؤشّرات الدالّة على ذلك:

  • تصبح الحياة الجنسيّة للشخص أقلّ إرضاءً.
  • تغيّر الموادّ الإباحيّة التي يشاهدها الشخص نظرته إلى الشريك الجنسيّ؛ لتصبح أقلّ إرضاءً.
  • ينخرط الشخص بأفعال محفوفة بالمخاطر حتّى يشاهد الموادّ الإباحيّة، كمشاهدتها أثناء العمل.

كما توجد مؤشّرات دالّة على احتماليّة تطوّر علاقة غير صحيّة مع مشاهدة الموادّ الإباحيّة، ومنها:

  • إهمال المسؤوليّات لمشاهدة الموادّ الإباحيّة.
  • المَيل التدريجيّ إلى مشاهدة موادّ إباحيّة أكثر تطرّفًا؛ إذ تفقد الموادّ الإباحيّة التقليديّة تأثيرها السابق.
  • الشعور بالإحباط، أو الخجل، أو الغضب أحيانًا بعد مشاهدة الموادّ الإباحيّة؛ والاستمرار بمشاهدتها على الرغم من المشاعر السلبيّة.
  • الرغبة بالتوقّف عن مشاهدة الموادّ الإباحيّة، والفشل بذلك.
  • إنفاق قدر كبير من الأموال على الموادّ الإباحيّة، وقد يكون ذلك على حساب المصاريف الشخصيّة والعائليّة.
  • استخدام مشاهدة الموادّ الإباحيّة كوسيلة لمواجهة الحزن، أو القلق، أو الأرق، أو مشاكل نفسيّة أخرى.

ماذا تقول الأبحاث العلميّة عن مشاهدة الموادّ الإباحيّة؟

عام (2017)، صدرت دراسة تناولت التغيير الذي يحدث في أدمغة مجموعة من الذكور الذين يسعون إلى علاج إدمانهم لمشاهدة الموادّ الإباحيّة. تبيّنت الدراسة أنّ التغيير الذي يحدث في أدمغتهم مشابه للتغيير الحاصل في أدمغة الأشخاص الذين يعانون من الإدمان على الموادّ والمقامرة. كما تناولت الدراسة كيفيّة تفاعل الدماغ مع رؤية الصور المثيرة جنسيًّا؛ فأشارت إلى وجود اختلاف بين الطريقة التي تتفاعل بها أدمغة الأشخاص المدمنين على مشاهدة الموادّ الإباحيّة مع رؤية الصور المثيرة جنسيًّا، والطريقة التي تتفاعل بها أدمغة أقرانهم غير المدمنين.

تؤثّر مشاهدة الموادّ الإباحيّة كذلك على العلاقات مع الشريك الجنسيّ؛ إذ أشارت بعض الأبحاث إلى أنّ الموادّ الإباحيّة تخلق توقّعات غير واقعيّة حول الممارسة الجنسيّة. عام (2012)، صدرت دراسة أُجريَت على (617) زوجًا؛ ويتكوّن كلّ زوج من ذكر مع شريكته الجنسيّة. توصّلت الدراسة إلى ارتباط مشاهدة الموادّ الإباحيّة لدى الذكور بقلّة الرضا، وقلّة الشعور بالمتعة عند ممارسة الجنس، بالنسبة لهم ولشريكاتهنّ. لكن لم تذكر الدراسة ما إذا كانت هذه المشاهدة إدمانيّة أم لا.

يسهل الوصول إلى الموادّ الإباحيّة، ويتطلّب مجهودًا أقلّ مقارنة بالممارسة الجنسيّة الفعليّة مع الشريك؛ بهدف الحصول على متعة جنسيّة. يدفع ذلك بالبعض إلى الانخراط في دوّامة غير صحيّة تبدأ بحدوث مشاكل مع الشريك الجنسيّ، والتي تنعكس بدورها على كافّة جوانب حياتهم. من هنا، يعتمد الأشخاص أكثر فأكثر على مشاهدة الموادّ الإباحيّة؛ لتلبيّة رغباتهم الجنسيّة، والهرب من المشاكل القائمة.

في دراسة صدرت عام (2015)، عُرِض محفّز بصريّ إباحيّ على أشخاص يشاهدون الموادّ الإباحيّة بشكل مفرط. وجد الباحثون غياب المسارات العصبيّة -أي الأماكن التي تُستثار في الدماغ عند تحفيزها- الملحوظة عند الأشخاص الذين يعانون من إدمان الموادّ. ففي النموذج القياسيّ للإدمان، نجد نشاطًا متزايدًا عند تعرّض الشخص للمحفّز المسبّب للإدمان، وهو ما لم يحدث في هذه التجربة؛ إذ قلّ فيها نشاط الدماغ عند التعرّض للمحفّزات الإدمانيّة. لذلك افترضت الدراسة أنّ النموذج القياسيّ للإدمان لا ينطبق على المشاهدة المفرطة للموادّ الإباحيّة، وهو ما عارضته الدراسة التي نُشرَت عام (2017)، والتي أثبتت الأثر الإدمانيّ للمشاهدة.

تجادل في الوسط العلميّ الرابطة الأمريكيّة للمعلّمين والمستشارين والمعالجين الجنسيّين (بالإنجليزيّة: American Association of Sexuality Educators, Counselors and Therapists، واختصارها: AASECT) بأنّ هناك أدلّة قليلة على كون الممارسات الجنسيّة أو مشاهدة الموادّ الإباحيّة ممارسات إدمانيّة من الأساس، وأن اللغط المثار حول الموضوع هو نتاج عوامل ثقافيّة واجتماعيّة فقط.

ما هي أسباب إدمان مشاهدة الموادّ الإباحيّة؟

ما زال الوسط العلميّ يعمل على إيجاد أسباب أكثر وضوحًا لإدمان الموادّ الإباحيّة؛ بسبب الجدل الثائر حولها.

عرضت دراسةٌ صدرت عام (2015) تجربةً أُجريَت على مجموعة أشخاص يظنّون أنّهم يعانون من إدمان مشاهدة الموادّ الإباحيّة. وجدت التجربة أنّ  الإفراط في مشاهدة الموادّ الإباحيّة لدى أغلب المشاركين كان في واقع الأمر واجهة للضغط النفسيّ الواقع عليهم؛ فقاموا بالتنفيس عنه بهذه الطريقة. ترجّح الدراسة أنّ مجرّد وجود فكرة الإدمان على الموادّ الإباحيّة عند الشخص يسبّب له قلقًا يظلّ مصاحبًا له أثناء مشاهدة الموادّ الإباحيّة.

أمّا الباحثون المدافعون عن وجود إدمان للموادّ الإباحيّة فيرجّحون أنّه -كما هو الحال مع أنواع الإدمان الأخرى- قد ينتج عن أكثر من سبب. وتضمّ أسباب إدمان الموادّ الإباحيّة ما يلي:

  • ظروف مرتبطة بالصحّة النفسيّة للفرد: يتّخذ الشخص إدمان الإباحيّة مهربًا له من الضغط.
  • مشاكل مرتبطة بالعلاقة الحميميّة: يُعوَّض عدم الشعور بالرضا عن الممارسة الجنسيّة بالمحتوى الإباحيّ.
  • فرض معايير مشوّهة: تنقل صناعة الجنس معايير مشوّهة عن أشكال الأجسام المثاليّة، والأوضاع الجنسيّة المحبّذة، ووقت العلاقة، والتفضيلات الجنسيّة، وطرق الاستمتاع؛ ما يعود بالضرر على الحياة الواقعيّة للشخص الذي تبنّى هذه المعايير.
  • عوامل بيولوجيّة (جسديّة): تتضافر عوامل جسديّة معيّنة في زيادة خطر إدمان الموادّ الإباحيّة، كالتغييرات التي تحدث في كيمياء المخّ أثناء التعرّض لهذه الموادّ.

ما هو علاج إدمان الموادّ الإباحيّة وحلولها؟

يعتمد علاج إدمان الموادّ الإباحيّة على علاج المسبّبات التي أدّت إلى المشاهدة المفرطة من الأساس. على سبيل المثال، يُعالَج الاكتئاب، والقلق، ومشاكل العلاقة الحميمة، والمشاكل الاجتماعيّة المتعلّقة بالشريك الجنسيّ. لذلك يُنصَح بزيارة أخصّائيّ نفسيّ قادر على التعامل مع هذه الحالات.

وتتضمّن استراتيجيّات علاج إدمان الموادّ الإباحيّة:

  • العلاج النفسيّ: يساعد الشخصَ على فهم طبيعة علاقته مع الموادّ الإباحيّة، وفهم رغباته الجنسيّة الدفينة، وتطوير آليّات تساعده على التعامل مع الضغوطات النفسيّة بطريقة صحّيّة.
  • الذهاب إلى استشاريّ علاقات: يساعد الشركاءَ على فهم دور إدمان الإباحيّة وتأثيره على علاقتهم بانفتاح أكبر؛ ممّا يبثّ الثقة بينهم، ويحسّن حياتهم الجنسيّة، ما يسهم بدوره في حلّ مشكلة إدمان الإباحيّة الموجودة.
  • الدواء: في بعض الأحيان يدمن الشخص على الموادّ الإباحيّة للهروب من مشكلة أخرى. يساعد الدواء إذًا في حلّ المشكلة الأساسيّة.
  • تغيير نمط الحياة: في بعض الأحيان يكون إدمان الإباحيّة ناتجًا عن الشعور بالملل، أو الإنهاك. لذلك يمكن أن تحلّ أنماط الحياة الأكثر صحّيّة مشكلة إدمان الإباحيّة.

متى يكون من الضروريّ زيارة الطبيب أو المعالج النفسيّ؟

حالات ينصح فيها بزيارة الطبيب

  • توجد مشكلة في الوصول إلى النشوة الجنسيّة عند ممارسة الجنس مع الشريك الجنسيّ.
  • توجد علامات على العجز الجنسيّ، مثل صعوبة الحفاظ على الانتصاب، أو وجود جفاف مهبليّ.
  • أصبحت ممارسة الجنس تجربة مؤلمة.
  • يوجد سجلّ إدمانيّ سابق للشخص مع موادّ أو سلوكيّات إدمانيّة.
  • يعاني الشخص من اضطرابات القلق، أو الاكتئاب، أو الأرق، أو أيّ مشكلة نفسيّة أخرى.

حالات ينصح فيها بزيارة المعالج النفسيّ

يساعد المعالج النفسيّ في حلّ المشاكل المرتبطة بإدمان الموادّ الإباحيّة، والمشاكل الجنسيّة ذات البعد النفسيّ، ومشاكل العلاقات الأخرى. لذا يُنصَح بالذهاب إلى المعالج النفسيّ في الحالات التالية:

  • يؤثّر إدمانك للموادّ الإباحيّة على علاقتك مع الشريك، ويتسبّب في حدوث مشاكل.
  • يرافقك شعور بالذنب تجاه سلوكك الإدمانيّ.
  • تودّ التوقّف عن مشاهدة الموادّ الإباحيّة؛ ولكنّك لا تستطيع فعل ذلك.

لدى المعالجين النفسيّين آراء مختلفة فيما يخصّ إدمان الموادّ الإباحيّة. ستجد بعضهم مقتنعًا بأنّ كلّ تعرّض للموادّ الإباحيّة مضرّ، والبعض الآخر غير مقتنع بإمكانيّة حدوث إدمان للموادّ الإباحيّة. لذا من الأفضل سؤال المعالج النفسيّ عن آرائه وفلسفته العلاجيّة قبل البدء في مراحل العلاج، واختيار المعالج الذي يناسب أفكارك.

الخلاصة

تسبّب مشاهدة الموادّ الإباحيّة بكثرة مشاكل خطيرة سواء كانت تقع تحت مسمّى الإدمان أو لا طبقًا لتعريف الإدمان التقليديّ في الطبّ.

على الرغم من وجود خلاف حول أسباب إدمان الموادّ الإباحيّة، ينطوي العلاج دائمًا على حلّ الأسباب الفعليّة لحدوثها. قد تكون الأسباب ذات صلة وطيدة بالحالة النفسيّة للبعض؛ لكنّ تغيير نمط الحياة كافٍ لحلّ المشكلة للبعض الآخر.

إنّ تلقّي العلاج من معالج مطّلع على أساليب العلاج الحديثة، وقادر على اكتشاف المشاكل المؤدّية إلى مشاهدة الموادّ الإباحيّة بشكلٍ إدمانيّ مفيد جدًّا في حلّ المشكلة من جذورها. فالعلاج مهمّ لإعادة هيمنة الشخص على حياته وعلاقاته، خصوصًا إذا قدّم المعالج استراتيجيّات علاج مبنيّة على أدلّة علميّة.

قد يهمّك كذلك قراءة المقال التالي: 

العادة السرّيّة

العادة السرّيّة: فوائد، وأضرار، وأسئلة شائعة

مصدر medicalnewstoday

المصادر+

فريق الاعداد
إعداد: إسلام سامي
اترك ردًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.