اضطراب الشخصيَّة الحديَّة: أعراض، وأسباب، وعلاج

اضطرابُ الشخصيَّةِ الحديّ: أسبابهُ وأعراضهُ وعلاجهُ
2٬891

اضطرابُ الشخصيَّةِ الحدّي، أو بالاسمِ الشائِع: اضطراب الشخصيَّة الحدّية (بالإنجليزية: Borderline Personality Disorder، ويُختصر: BPD)، كما يُدعى اضطراب الشخصيَّة غير المُستقِرَّة عاطفيًا أو اضطراب الشدَّة العاطفيَّة أو النمطِ الحدّي.

يؤثر اضطراب الشخصيّة الحدّي على ما يقرب مِن (0.02) بالمئة مِن البالغين، ويَظهَرُ على هيئةِ عَدَمِ استقرارٍ في المِزاجِ وصعوبةٍ في العِلاقاتِ بَينَ الأشخاص؛ مما يُؤَدّي إلى ارتفاعِ مُعدلاتِ إيذاءِ الذات (بالإنجليزية: Self-injury)، والسلوكِ الانتحاريّ.

التعريف

اضطرابُ الشخصيَّةِ الحدّيَّة: هو مرضٌ عقليٌّ خطيرٌ يتميَّز بعدمِ الاستقرار المُنتشرِ في: المزاج، والعِلاقات بينَ الأشخاص، والصورة الذاتية، والسلوك. يُؤدّي عدمُ الاستقرار هذا  في كثيرٍ من الأحيانِ إلى: عرقلة الحياة الأُسريَّة والعمليَّة، والتخطيط على المدى الطويل، وإحساس الفردِ بهويتِه.

اعتُقِدَ في المقام الأوَّل بأنَّ الأفرادَ المُصابينَ باضطرابِ الشخصيَّةِ الحدّي يكونونَ على مشارفِ الذهان (بالإنجليزية: psychosis)، والعُصاب (بالإنجليزية:neurosis)، كما يُعانون من صعوباتٍ في تنظيمِ عواطفهم. يُعد اضطرابُ الشخصيَّةِ الحدّيّ أقلَ شهرةً من الفصام (بالإنجليزية: schizophrenia) أو اضطراب المزاج ثنائي القطب (بالإنجليزية:bipolar disorder)؛ حيث إنَّه يُؤَثِرُ على (0.02) بالمئة مِنْ البالغين. يُظهِرُ الأشخاصُ المُصابونَ باضطرابِ الشخصيَّةِ الحدّيَّة معدَّلاتٍ عاليةٍ من السُلوكِ المُضِرِ بالنَّفس، مثلَ: القطعِ، وفي الحالاتِ الشديدةِ، تَظهَرُ مُعدَّلاتٍ كبيرةٍ مِن مُحاولاتِ الانتحار والانتحارِ التام. يزداد الاختلال الناجم عن اضطرابُ الشخصيَّةِ الحدّي ومخاطر الانتحار في سنوات الشباب، ويميل إلى الانخفاض مع التقدم في العُمر. يُعدّ اضطرابُ الشخصيَّةِ الحدّي أكثرَ شيوعًا في الإناث من الذكور، بنسبةٍ تَصِلُ إلى (0.75) بالمئة من الحالاتِ التي تَمَّ تشخِيصُها بَينَ النِّساء.

في أغلبِ الأحيانِ، يحتاجُ الأشخاصُ المُصابونَ باضطرابِ الشخصيَّةِ الحدّي إلى خدماتٍ صحيةٍ وعقليةٍ واسعةِ النطاق، وتُمثل (0.20) بالمئة من الخدمات المُقدمة بالمُستشفياتِ النَّفسِية، ولكن مع المُساعَدَةِ؛ يَتَحسنُ الكثيرون معَ مُرورِ الوقت، ويُمكِنُهم في نِهايةِ المَطافِ أن يَعيشوا حياةً مُنتجةً.

الأعراض

قد يُعاني الشخصُ المُصابُ باضطرابِ الشخصيَّةِ الحدّي من نوباتٍ شديدةٍ مِنَ الغَضَبِ أو الاكتئابِ أو القَلَقِ، قد تستمرُ لساعاتٍ فقط أو -على الأَكثرِ- بضعةُ أيامٍ. قد يترافقُ هذا مع نوباتٍ من العُدوانيةِ الاندفاعية، وإصابةِ النَّفس، وإدمانِ المخدِّراتِ أو الكُحول. يمكنُ أن تُؤدّي التشوُّهاتِ في الأفكارِ والشعور الذاتِّي إلى تغيُّراتٍ متكررةٍ في الأهدافِ طويلةِ المدى، والخُطط المهنيةِ، والوظائِفِ، والصداقاتِ، والهويةِ، والقِيَم. في بعض الأحيان،  يرى الأشخاصُ المصابون باضطرابِ الشخصيَّةِ الحدّي أنَّهم سيّئون للغاية أو تافهون. قد يشعرون بالمللِ أو الفوضى أو سوءِ الفهم بشكلٍ غير عادلٍ أو سوءِ المعاملةِ، وليسَ لديهم أدنى فكرةِ عمَّن يكونون. هذه الأعراضُ هي الأكثرُ حِدةً، عِندما يشعرُ الأشخاصُ المُصابون باضطرابِ الشخصيَّةِ الحدّي بأنَّهم معزُولون أو يَفْتقِرون إلى الدَعمِ الاجتماعي، وقد يُؤدي ذلك إلى بذلِ جُهودٍ محمومة لتجنُّب بَقائِهم بِمُفردِهم.

غالبًا ما يكون لدى الأشخاصِ المُصابين باضطرابِ الشخصيَّةِ الحدّي أنماطً غيرَ مُستَقِرةٍ مِن العِلاقات الاجتماعية، فبالرغم من أنَّ تلك العِلاقاتِ يُمكنها أن تتطوَّر إلى ارتباطاتٍ وثيقة -ولكن عاصفة-، فإنَّها قد تُؤدّي لتغُّيرٍ في مواقفهم تجاه العائلةِ والأصدقاءِ والأحبَّاء فجأةً من المِثاليةِ الإعجابُ الكبيرُ والحبُ- إلى انخفاضٍ في المكانةِ -الغضبُ الشديدُ والكراهيةُ-. وبالتالي، قد يتعلَّقون فوراً ويُعظمون أشخاصًا آخرين، ولكن عِندما يحدثُ انفصال طفيفٌ أو نِزاعٌ، يتحولون بشكلٍ غير مُتوقعٍ إلى النَقيضِ ويتهمونَ بغضبٍ الأشخاص الآخرين بعدمِ الاهتمامِ بِهم على الإطلاق.

يُمكنُ لمعظم الأشخاصِ تحمل وجود اتجاهين من المشاعر المتناقضة نحو نفس الشيء (بالإنجليزيَّة: ambivalence)، ولكن ليس بالنسبة لمن يعانون من اضطرابِ الشخصيَّةِ الحدّي، فيتحتم عليهم التأرجح-ذهابًا وإيابًا- بين المشاعرِ الجيدةِ والسيئة. إذا كانوا في حالةٍ سيئةٍ -على سبيل المثالِ- فلا يتوافرُ لديهم وعيٌ بالحالةِ الجيدة.

يُعاني الأفرادُ المُصابُون باضطرابِ الشخصيَّةِ الحدّي من حساسية عالية تجاه الرفض، ويُظهرون ردَّات فعلٍ غاضبة وحزينة تجاه الانفصالات البسيطة، حتى إنَّ أيَّ عُطلةٍ أو رحلةِ عملٍ أو تغيير مفاجئ في الخطط يمكن أن يُحفِّز الأفكارَ السلبية لديهم. يبدو أنَّ هذه المخاوف من الهجر مرتبطةً بالصعوبات التي يشعرون بها نتيجةً لارتباطهم عاطفياً بالأشخاص المهمين -في حياتهم- عندما يكونون غائبين جسديًا؛ مما يجعل الفرد مصابًا بالضياع وربما عديم القيمة. قد تحدثُ التهديداتُ والمحاولاتُ الانتحارية جنبًا إلى جنب مع الغضبِ من الهجر ِالمُتَصوَّر وخيباتِ الأمل.

يُظهِر الأشخاصُ باضطرابِ الشخصيَّةِ الحدّيّ سلوكيات أخرى متهورة، مثل الإنفاقِ المُفرطِ والأكل بِنَهمٍ، والجِنسِ المحفوف بالمخاطر. غالبًا ما يحدث اضطرابُ الشخصيَّةِ الحدّي مع مشاكلَ نفسيةٍ أخرى، لا سيما الاضطراب الثنائي القطب (بالإنجليزية: bipolar disorder) والاكتئاب واضطرابات القلق (بالإنجليزية: anxiety disorder) وتعاطي المخدراتِ وغيرها من اضطراباتِ الشخصية.

الأسباب

على الرغم من أنَّ سببَ الإصابةِ باضطرابِ الشخصيَّةِ الحدّي غير معروف؛ إلا أنَّه من المُعتَقَدِ أنَّ العوامِلَ البيئيةَ والوراثيةَ تلعبُ دوراً في تَعريضِ الأشخاصِ لأعراضِ وخصائصِ الإصابة بهذا المرض. يزيد معدل الإصابة باضطرابَ الشخصيَّةِ الحدّيّ بما يقرب الخمس مراتٍ بينَ الأشخاصِ ذوي الأقاربِ البيولوجيِّن الذين قد شُخِصوا بهذا المرض.

تُشيرُ الدراساتُ إلى أنَّ العديدَ من الأفرادِ المصابينَ باضطرابِ الشخصيَّةِ الحدّيّ قدّ أظهروا تاريخًا من تَعرُضِهم للإساءةِ أو الإهمال أو الانفصال عندما كانوا أطفالاً صِغارًا، ونحو من (0.40 إلى0.71) من مرضى اضطرابِ الشخصيَّةِ الحدّي قد تعرضوا للإيذاءِ الجِنسِيّ،  عادةً مِن غيرِ مُقدِمي الرعايةِ لهم.

يَعتقدُ الباحثون أنَّ اضطرابَ الشخصيَّةِ الحدّيّ يَنجُمُ عن مجموعةٍ من نِقاط الضَعفِ الفرديةِ تِجاهَ الإجهادِ البيئيّ، والإهمالِ، أو سوءِ المعاملةِ عند الأطفال الصغارِ وسلسلةٍ من الأحداثِ التي تحفِز بدايةَ ظهور الاضطراب بين الشباب. كما أنَّ البالغينَ المُصابينَ باضطرابِ الشخصيَّةِ الحدّيّ هم أكثر عُرضة أن يصبحوا ضحايا العنف، بما في ذلكَ الاغتصاب والجرائم الأخرى. قد تَنجُمُ هذه الحوادثُ عن بيئات ضارةٍ بالإضافة إلى اندفاع الضحايا وسوء الحُكم في اختيار الشُركاء وأنماطِ الحياة.

يَكشفُ عِلمُ الأعصابِ (بالإنجليزية: Neuroscience) عن آلياتِ الدماغِ الكامنةُ وراءَ الاندفاع، وعدمِ الاستقرار المزاجيّ،  والعدوانِ، والغضبِ، والعاطفة السلبية التي نشاهدها في اضطرابِ الشخصيَّةِ الحدّيّ. تُشيرُ الدراساتُ إلى أنَّ الأشخاصَ الذينَ يمِيلونَ إلى العُدوان المُتهورِ  قد أُضعِفَ تَنظيمُ الدوائرِ العصبيةِ التي تُعدِّل العاطفةَ لديهم. إنَّ اللوزة الدماغية (بالإنجليزية: amygdala)، وهي بُنِّيةٌ صغيرةٌ على شكلِ اللوز، عُنصرٌ مُهمٌ في الدائرة التي تُنظِمُ الانفعال السلبيّ، ردًا على إشاراتٍ من مراكزِ الدماغِ الأخرى التي تُشير إلى وجودِ تهديدٍ مُحتمل، فإنّها تُحرّضُ على مشاعِرَ الخوفِ والإثارةِ، والتي قد تكون أكثرَ وضوحًا تحتَ تأثيرِ الإجهادِ أو المخدرات مثل: الكحول. المناطق في الجزء الأماميّ من الدماغ (بالإنجليزية: prefrontal area) -منطقة الجبهةِ، وتُسمى أيضًا بالفص الجبهي- تَعملُ على تخفيف نشاط هذه الدائرة. تُظهِرُ دِراساتُ التصويرِ الدماغيّ الحديثةُ أنَّ الاختلافاتِ الفرديةِ في القُدرةِ على تنشيطِ مناطق القشرة المُخيَّة قبل الجبهيَّة (بالإنجليزية: prefrontal cerebral cortex) التي يُعتَقَدُ أنَّها تُشارِكُ في التنبُؤ بالنَشاطِ المُثبطِ الذي له القُدرةُ على قمعِ المشاعرِ السلبيةِ.

يعتبر السيروتونين (بالإنلجيزية: serotonin) والنورادرينالين، أو النورإبينفرين (بالإنجليزية: norepinephrine) والأسيتيل كولين (بالإنجليزية: acetylcholine) من بين المُرسالين الكيميائيين في هذه الدوائر العصبيَّة، التي تلعبُ دورًا في تنظيم العواطِف، بما في ذلك: الحزنُ والغضبُ والقلقُ والتهيّج. قد تعمل الأدويةُ التي تُعزز وظيفةَ السيروتونين في الدماغِ على تحسينِ الأعراضِ العاطفيةِ المُصاحبة لاضطرابِ الشخصيَّةِ الحدّي، وبالمثل، فقد تُساعد أدويةُ تثبيطِ المِزاجِ المعروفةِ بتعزيز نشاط مستقبلات جابا (بالإنجليزية:  neurotransmitter gamma-aminobutyric acid، ويُختصر: GABA)، وهو أحد النواقلُ العصبيُّة الرئيسيُّة المُثبطة، حيث إنّه قد يُساعدالأشخاص الذين يعانون من تقلبات مزاجية كالمُصابين باضطرابِ الشخصيَّةِ الحدّي.
يُمكن التعامل مع هذه الثغراتِ الموجودةِ بالدماغ بالقليل من المُساعدةِ التي يُقدمها العلاج السلوكيّ والأدوية، تمامًا كما يأخذ الناس احتياطاتهم عند وجود احتماليَّة للإصابة بأي مرض عضويّ كالسكر أو الضغط.

العلاجات

العلاج الموصى به لاضطرابِ الشخصيَّةِ الحدّي يشمل: العلاج النفسيَّ، والأدوية، والدعم الجماعيّ، ودعم الأقران، والأُسرة. وقد ثَبُتَ أنَّ العِلاجَ النفسيَّ الجماعيَّ والعلاج الفرديّ تُعَدُّ أشكالاً فعَّالةً لعلاج العديد من المرضى. العلاجُ النفسيُّ هو العِلاجُ الأوليُّ لاضطرابِ الشخصيَّةِ الحدّي.

العلاج النفسيّ

تمت دراسةُ العديد من أشكالِ العلاج، مثل: العلاج السلوكي الجدلي (بالإنجليزيَّة:  Dialectical Behavior Therapy، ويُختصر: DBT)، والعلاج القائم على العقلية (بالإنجليزيَّة: Mindfulness Based Therapy ، ويُختصر: MBD)، والعلاج السلوكيّ المعرفيّ (بالإنجليزيَّة: Cognitive Behavior Modification، ويُختصر: CBT)، والعلاج النفسيّ الديناميكي (بالإنجليزيَّة: psychodynamic psychotherapy) ، وقد وأثبتت جميعًا فعاليَّتها للتخفيفِ من الأعراض.

العلاج الدوائيّ

غالباً ما تُوصف العلاجاتُ الدوائيَّةُ بناءً على الأعراضِ المُستهدفةِ المُحددةِ التي تظهر على الفرد المريض. قد تكون الأدويةُ المضادةُ للاكتئاب ومُثبطاتِ المزاج مفيدةً للاكتئاب و/أو المزاج المُتقلب. يمكن أيضًا استخدامُ الأدويةِ المُضادةِ للذهان (بالإنجليزية: psychosis) عند وجود تشوُّهاتٍ في التفكير.


المصادر

  • National Institute of Mental Health
  • American Psychiatric Association, Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders, Fourth Edition, Revised.
  • American Psychiatric Association, Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders, Fifth Edition
  • US Department of Health and Human Services
  • National Alliance on Mental Illness
بواسطة Psychology Today
اترك ردًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.