فقدان الشهيّة العصبيّ: أعراض، وأسباب، وعلاج

1٬189

فقدان الشهيّة العصبيّ (بالإنجليزيّة: Anorexia Nervosa) هو اضطراب في الأكل، يظهر عندما يرفض الشخصُ تناولَ كمِيّة كافية من الطعام، أو يعجز عن الحفاظ على الحدّ الأدنى من وزنه حسب مؤشّر كتلة الجسم (بالإنجليزيّة: body mass index، ويُختصَر: BMI).

غالبًا ما يعاني الأفراد المصابون بفقدان الشهيّة من تشوُّهٍ في صورة الجسد (يرون أنفسَهم سِمانًا أو ضِخامًا في بعض المناطق)، ومن خوف شديد من اكتساب الوزن، أو السمنة. لذلك يتّجهون إلى تقييد كمّيّة الطعام المُتناوَل للحفاظ على الوزن أو المظهر المرغوب بهما، وقد ينخرطون بدلًا من ذلك في السلوك التطهيريّ، أي إفراغ الأمعاء (باستخدام المسهِّلات، أو الإفراط في ممارسة الرياضة) بهدف فقدان الوزن.

في الولايات المتّحدة، تُقدَّر نسبةُ الإناث اللواتي يعانين من فقدان الشهيّة العصبيّ خلال حياتهنّ بـ (0.9) بالمئة، وتُقدَّر نسبة الذكور بـ (0.3) بالمئة، مع ازدياد النسبة عند الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهنّ بين (15) سنة و(19) سنة، استنادًا إلى دراسات استقصائيّة وطنيّة في علم الوبائيّات.

التعريف

فقدان الشهيّة العصبيّ هو واحدٌ من ثلاثة أنواع رئيسيّة من اضطرابات الأكل والتغذية؛ الفئتان الأخريان هما: الشره العصبيّ (بالإنجليزيّة: bulimia nervosa)، واضطراب نهم الطعام (بالإنجليزيّة: binge eating disorder). يتّسم فقدانُ الشهيّة العصبيّ برفض الشخص الحفاظَ على الحدّ الأدنى من وزنه الذي يُعَدّ طبيعيًّا بالنسبة إلى عمره وطوله. قد يظهر فقدان الشهيّة بصورة اضطراب من نوع تقييديّ (أي يقيّد المُصاب كميّة الطعام التي يتناولها)، أو من نوع الإفراط/الإفراغ (أي يفرط المصاب في تناوله للطعام، ومن ثم يقوم بإفراغ أمعائه).

تشمل أعراض الاضطراب الأخرى تشوّهًا في صورة الجسد، وخوفًا شديدًا من اكتساب الوزن. يُنتِج تناولُ الطعام بشكل غير كاف، أو الإفراط في ممارسة الرياضة خسارةَ وزن حادّة، كما قد يؤدّي الانخراطُ في السلوك التطهيريّ بعد تناول الطعام أو الإفراط فيه إلى خسارة الوزن أيضًا.

في أغلب الأوقات، تتطوّر اضطرابات الأكل خلال المراهقة، أو الرشد المُبكِّر؛ ولكن تشير بعض التقارير إلى إمكانيّة وقوع بداياتها خلال الطفولة أو لاحقًا عند الرشد.

يرى الأشخاص المصابون بفقدان الشهيّة أنفسَهم بُدُنًا (جمع بدين)، ويخافون كثيرًا من اكتساب الوزن، أو السمنة. يتعارض إدراكُهم مع الحقيقة غالبًا؛ فيستمرّ بعضُهم بتقييد تناول الطعام، على الرغم من أنّهم نُحلى (جمع نحيل) بشكل خطير. تستحوذ عمليّةُ التقييد على تفكير الشخص المصاب؛ وغالبًا ما يصحبها سلوكٌ هوسيّ. قد يقضي الأفراد وقتًا كبيرًا وهم يفكّرون بجسدهم، أو الأطعمة، وطرق للتقييد وخسارة الوزن. قد يطوّرون عادات أكل غير اعتياديّة، مثل: تجنّب الطعام أو الوجبات التي تحتوي على سعرات حراريّة مرتفعة، وانتقاء بعض الأطعمة أو تناولها حصرًا بكمّيّات صغيرة، أو وزن الطعام وتقسيمه بحذر. من الممكن أن يتحقّق الأشخاصُ المصابون بفقدان الشهيّة من وزنهم مرارًا، وينخرط العديد منهم في أساليب أخرى للتحكُّم بوزنهم، مثل: ممارسة الرياضة بشكل مكثّف وقهريّ، أو إساءة استخدام المسهِّلات، والحقن الشرجيّة، ومدرّات البول. غالبًا ما تعاني الفتيات المصابات بفقدان الشهيّة من تأخّر دورتهنّ الشهريَّة الأولى، أو من انحباس الطمث (تأخّر الدورة الشهريّة).

في كثير من الأحيان، تُلازم اضطراباتَ الأكل اضطراباتٌ نفسيَّة أخرى، مثل: الاكتئاب، وتعاطي المخدّرات، واضطرابات القلق، واضطراب الشخصيّة الحدّيّة. بالإضافة إلى ذلك، قد يتعرّض الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات الأكل إلى مضاعفات كبيرة على مستوى الصحّة الجسديّة، كخسارة الكثافة المعدنيّة للعظام، وفقر الدمّ. تضمّ المضاعفات أيضًا مشاكل خطيرة بالقلب، وفشلٍ كلويّ، والتي قد تؤدّي إلى الموت. من المهمّ إذًا الاعتراف بأنّ اضطرابات الأكل هي أمراض حقيقيّة، ويمكن علاجُها.

الأعراض

تشمل أعراض فقدان الشهيّة العصبيّ ما يلي:

  • رفض الحفاظ على الوزن عند الحدّ الأدنى (نسبةً إلى عمر الشخص أو طولِه) أو فوق هذا الحدّ.
  • خوفًا شديدًا من اكتساب الوزن أو السمنة، على الرغم من انخفاض الوزن عن معدّله الطبيعيّ.
  • اضطرابًا في كيفيّة النظر إلى الوزن أو الشكل، والتأثير المفرط للوزن أو الشكل على التقييم الذاتيّ، أو إنكار مدى جدّيّة نقصان الوزن.

يعاني الشخص من فقدان الشهيّة العصبيّ بنوعه التقييديّ عندما تشمل طريقةُ خسارة الوزن الأساسيّة حميةً غذائيّة، والصوم، والإفراط في ممارسة الرياضة، مع عدم الانخراط في أيّ سلوك مرتبط بالإفراط والإفراغ لمدّة لا تقلّ عن ثلاثة أشهر.

يعاني الشخص من نوع الإفراط/ الإفراغ من فقدان الشهيّة العصبيّ عندما ينخرط في حلقات من الإفراط في الطعام، أو إفراغه (تقيّؤ مُحدِث، أو إساءة استخدام المليّنات، أو مُدرّات البول، أو الحقن الشرجيّة).

الأسباب

نَجدُ عادةً فقدان الشهيّة العصبيّ واضطرابات الأكل الأخرى في الثقافات والبيئات التي تَعتبرُ النحافةَ شيئًا مرغوبًا بِه. تشمل هذه الثقافات والبيئات البلدانَ الصناعيّة الجديدة ذات الدخل المرتفع، حيث تقدّم صيحاتُ الموضة، وحملاتُ المبيعات، والعرضُ الإعلاميّ النحافةَ على أنّها سمةٌ مرغوبةٌ أو نموذجيّةٌ. كما تعزّز بعض النشاطات والمِهَن (مثل: عرض الأزياء، وسباق الخيل، وبعض الألعاب الرياضة) فكرةَ النحافة بشكل أكبر من الحدّ المسموح به صحّيًّا، بهدف أداء هذه النشاطات والمهن بشكل جيّد.

قد ترتبط بدايةُ اضطراب الأكل بواقعة حياتيّة مُجهِدة. قد تشمل بالنسبة إلى الشباب مغادرةَ المنزل بُغية الالتحاق بالجامعة؛ أمّا بالنسبة إلى النساء، قد تحثّ الفتراتُ الانتقاليّة المماثِلة كالعودة إلى العمل بعد تربية أسرة، أو إيجاد عمل جديد، أو طلاق، أو انفصال على أعراض اضطراب أكل ما.

ترتبط أيضًا العوامل المزاجيّة مثل طلب الكمال والسمات الوسواسيّة في الطفولة باضطرابات الأكل.

يبدو أنّ علم الأحياء والوراثة يلعبان دورًا مهمًّا في خطر تطوير فقدان الشهيّة؛ إذ يتضاعف انتشارُ هذا الاضطراب بين أقارب المريض من الدرجة الأولى، وكذلك بين التوائم المتطابقة (أكثر من نسبة انتشاره بين التوائم الشقيقة).

كشفت الدراساتُ التي أٌجريَت على أساسيّات بيولوجيا السيطرة على الشهيّة، وتقلُّبها بين الإفراط المطوَّل في الأكل أو الجوع الشديد تعقيدًا هائلًا؛ قد تؤدّي نتائجُ بحثهم مع الوقت إلى علاجات دوائيّة جديدة لاضطرابات الأكل. يشكّ العلماء أنّ الجينات المتعدِّدة قد تتفاعل مع عوامل بيئيّة أو عوامل أخرى تُضاعِف من خطر تطوير هذه الأمراض.

العلاج

قد يقود فقدان الشهيّة -إذا لم يُعالَج- إلى تخلخل العظام، ومشاكل بالقلب، والعقم، والاكتئاب، وصعوبات في العلاقات، والانتحار، أو حتّى الموت من مضاعفات طبّيّة.

يشكّل الإرشاد والعلاج المرفقان مع عنايةٍ طبّيّة للصحّة والاحتياجات الغذائيّة جانبًا مهمًّا من العلاج. تتطلّب اضطرابات الأكل -بسبب تعقيداتها- خطّة علاج شاملة تنطوي على عناية طبّيّة، ومراقبة، وتدخّلات اجتماعيّة-نفسيّة، واستشارة تغذية، وتدبير دوائيّ عند الحاجة.
كلّما تمّ تحديد الاضطراب وتشخيصه عاجلًا، تحسّنت فرص العلاج والنتائج الناجحة.

يشمل علاج فقدان الشهيّة ثلاثة أهداف أسياسيّة:

  1. ترميم الوزن المفقود جرّاء الحمية الشديدة والسلوك التطهيريّ.
  2. معالجة الاضطرابات النفسيّة المرتبطة بمشاكل صورة الجسد.
  3. تخفيف أعراض المرض وتحقيق إعادة تأهيل طويلَيْ الأمد، أو التعافي التامّ.

العلاج النفسي

قد يكون العلاج مفيدًا وضروريًّا للكشف عن العوامل التي تعزّز المخاوف حول الأكل واكتساب الوزن، إضافةً إلى مساعدة الفرد بأن يتخطّى المشاكل المتعلِّقة بصورة الجسد، والثقة بالنفس، والتحكّم، وطلب الكمال. يُعتبَر العلاج السلوكيّ المعرفيّ نوع علاج فعّال لاضطرابات الأكل؛ فهو لفترة محدودة، وذو طبيعة مركَّزة، يساعد الفرد على رؤية الروابط بين أفكاره، ومعتقداته، وسلوكيّاته.

يشمل جانبٌ من العلاج السلوكيّ المعرفيّ التركيزَ على تعزيز بعض السلوكيّات، وبناء التسامح مع الإزعاج والقلق المحيطين بالطعام. هذا يساعد على جعل أنماط الأكل سويّةً، كما يساعد على الانخراط في سلوكيّات تدعم اكتساب وزن صحّيّ. قد يُلقي العلاج السلوكيّ المعرفيّ الضوء على الخلل الوظيفيّ في أنماط التفكير، والمواقف، والمعتقدات السلبيّة حول الطعام والأكل، والتي تعزّز الخزي من الجسد وقلّة الثقة.

يُعتبَر العلاجُ الأسريّ أيضًا وسيلة فعّالة لعلاج فقدان الشهيّة العصبيّ، واضطرابات أكل أخرى. «أسلوب (ماودسلي)» هو طريقة علاج أسريّ، حيث يُدمَج الأهل كعملاء فاعلين يلعبون دورًا إيجابيًّا في مسيرة تعافي طفلهم. تشدِّد هذه المقاربة -والتي طُوِّرت في مستشفى (ماودسلي) في (لندن) عام (1985)- على ضرورة أن يكون الأهل هادئين، وداعمين، وثابتين في إطعام الطفل أو المراهق المريض بفقدان الشهيّة.

العلاج الدوائي

إنّ دور الأدوية محدودٌ في علاج اضطرابات الأكل؛ ولكن قد تساعد مُضادّات الاكتئاب وأدوية نفسيّة أخرى في علاج اضطرابات أخرى ملازمة قد تقع، مثل الاكتئاب والقلق.

عندما يكون اضطراب الأكل حادًّا جدًّا، ويلازمه مشاكل جسديّة تهدّد حياة الشخص، وتسبّب مشاكل عاطفيّة أو سلوكيّة حادّة، قد يُنصَح بالعلاج في المستشفى أو داخل الوحدة النفسيّة.


المصادر

  • American Psychiatric Association (APA). Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders.
  • American Psychiatric Association Work Group on Eating Disorders (APAWG). Practice guideline for the treatment of patients with eating disorders (revision). American Journal of Psychiatry, 2000; 157(1 Suppl): 1-39.
  • Becker AE, Grinspoon SK, Klibanski A, Herzog DB. Eating disorders. New England Journal of Medicine.
  • American Journal of Psychiatry , 1999; 340(14): 1092-8.
  • National Institutes of Health, National Library of Medicine, MedlinePlus, 2006. http://www.nlm.nih.gov/medlineplus/ency/article/000362.htm
  • The National Institute of Mental Health
  • Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders, Fifth edition (DSM-V)
مصدر Psychology Today
اترك ردًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تعليق 1
  1. عمر يقول

    مقال جميل

اترك ردًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.